في مشهد بات يثير الكثير من الجدل في الشارع التونسي وعلى منصات التواصل الاجتماعي، يلاحظ المتابعون تزايد نسق الصور والمنشورات الصادرة عن عدد من ولاة الجمهورية عبر الصفحات الرسمية للولايات، حضور مكثف في الفضاء الافتراضي، تقابله تساؤلات مشروعة في الواقع: ماذا عن منسوب الإنجاز؟ وماذا عن الملفات التنموية العالقة؟
لم يعد الأمر يقتصر على تغطية الأنشطة الرسمية أو الاجتماعات الدورية، بل تحوّلت بعض الصفحات إلى ما يشبه “يوميات شخصية” تُوثّق كل تنقل وكل لقاء، مع تركيز واضح على إبراز صورة الوالي في مختلف الزوايا والمناسبات. وفي المقابل، تشكو عديد الولايات من مشاكل مزمنة لم تجد طريقها إلى الحل، من تعطل ربط مناطق سكنية بشبكات الكهرباء والماء الصالح للشراب، إلى اهتراء البنية التحتية، وتعطل مشاريع تنموية، وتراكم الإشكاليات البيئية والاجتماعية.
عدد من التقارير والتقييمات الصادرة عن هياكل رقابية أو عن المجتمع المدني، تشير إلى دونية مستوى الأداء في بعض الجهات، وإلى ضعف المتابعة الميدانية لملفات حارقة تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر. ورغم ذلك، يواصل بعض الولاة سباق “الصورة” بدل سباق “النتيجة”، في مفارقة تعمّق الفجوة بين الخطاب والواقع.
الأخطر من ذلك، أن بعض المسؤولين الجهويين اختاروا مساراً تصعيدياً تجاه نشطاء مدنيين ومدونين انتقدوا أداءهم، حيث تم اللجوء إلى القضاء وتقديم شكاوى استناداً إلى المرسوم عدد 54، على خلفية تدوينات اعتُبرت مسيئة أو متضمنة لمعطيات غير صحيحة. هذا التمشي فتح باباً واسعاً للنقاش حول حدود النقد المشروع، وحرية التعبير، ومدى تقبل المسؤول العمومي للمساءلة.
في المقابل، يشيد متابعون بقلّة قليلة من الولاة الذين يعملون بصمت، بعيداً عن عدسات التصوير وضجيج المنصات الرقمية، مركزين على فضّ الإشكاليات العالقة، ومتابعة المشاريع ميدانياً، والتواصل المباشر مع المواطنين دون بهرجة إعلامية. هؤلاء يعتبرهم كثيرون النموذج الأقرب إلى فلسفة العمل العمومي القائم على النجاعة لا على الظهور.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: متى تهبّ ريح التغيير؟ ومتى يتم تقييم الأداء بعيداً عن عدد الصور والمنشورات، ووفق مؤشرات واضحة تقيس نسبة تقدم المشاريع، وتحسن الخدمات، ورضا المواطنين؟ إن المسؤولية الجهوية ليست مسابقة في الحضور الإعلامي، بل تكليف ثقيل يفرض القرب من الناس والإنصات لمشاغلهم، والعمل على إيجاد حلول ملموسة.
إن المرحلة التي تعيشها البلاد، بما تحمله من رهانات اقتصادية واجتماعية، تقتضي مسؤولين ميدانيين أكثر من حاجتها إلى مسؤولين افتراضيين. فالمواطن في الجهات لا يعنيه عدد الصور المنشورة، بقدر ما يعنيه توفر الماء في حنفيته، والكهرباء في بيته، وطريق سالكة تقوده إلى عمله، وفرص تنمية تحفظ كرامته.
ويبقى الأمل معقوداً على أن يكون معيار البقاء في المنصب هو حجم الإنجاز الحقيقي لحجم التفاعل الرقمي، وأن تُفتح مرحلة جديدة عنوانها: العمل أولاً… والصورة لاحقاً.
.png)
إرسال تعليق